18 , أبريل 2026

القطيف اليوم

مهما كلف الأمر 

بين شهقة الميلاد وزفرة الرحيل، يمتدّ خيط رفيع نسميه "الهدف". هو تلك المنارة التي نوجه إليها بوصلة أيامنا، والمحرك الذي يدفعنا لقطع المسافات الطوال. لكن، خلف بريق الوصول تكمن الحقيقة العارية: الأهداف ليست دائماً بيضاء، والطرق ليست دوماً معبّدة بالورد. هناك من يركض نحو القمة ليبني، وهناك من يتسلقها ليهدم، وكلاهما يردد في قرارة نفسه ذات العبارة الصارمة: "سأصل.. مهما كلف الأمر".

بين النور والظلمة: 
تتنوع غايات البشر تنوع بصمات أصابعهم ، فهذا يبيت ليله يحلم بابتكار ينهي أوجاع البشرية، وذاك يسهر ليحيك مكيدة تُعلي شأنه على أنقاض الآخرين.

• صاحب الهدف الصالح: هو الذي يرى في "الوصول" مسؤولية لا تشريفاً. وسيلته هي الصبر، وقوده العرق، وميزانه الضمير. يصل إلى مراده بجبين ناصع، حتى وإن تأخر به الركب، لأن قيمة الهدف عنده مستمدة من طهارة الوسيلة.
• صاحب الهدف الطالح: هو الذي أعمته الشهوة أو السلطة أو الانتقام. وسيلته هي القفز فوق الحواجز الأخلاقية، وقوده الانتهازية، وميزانه الربح السريع. قد يصل أسرع من غيره، وقد يلمس الذهب بيديه، لكنه وصول "مسموم" يفتقر إلى السكينة.

كيف يصلون؟ وكيف تكون النهاية؟
العالم لا يفرق في البدايات بين العزيمة الصادقة والإصرار الآثم ، فكلاهما يبذل جهداً، وكلاهما يضحي بالوقت والراحة. يصل صاحب الحق بـ "تراكم البناء"، ويصل صاحب الباطل بـ "براعة الالتفاف".

وهنا يكمن جوهر الحكاية، النهاية ليست مجرد لمس خط النهاية، بل هي ما يحدث في اليوم التالي للوصول. 
1.  المصلح: يجد في وصوله واحة يستظل بها الناس، فتبقى ذكراه حية، ويكون نجاحه امتداداً لروح لم تنكسر. نهايته هي "الخلود المعنوي".

قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]

2.  المفسد: يجد نفسه في قمة معزولة، محاطاً بأسوار بناها من الخوف والريبة. نهايته هي "الإفلاس النفسي"، حيث يكتشف أن ما وصل إليه هو قفص ذهبي، وأن الثمن الذي دفعه من إنسانيته كان أغلى بكثير من الهدف ذاته.
قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} (القلم: 10-13).

في نهاية المطاف، ليست البطولة في أن تصل، بل في "كيف" وصلت، وبأي وجه ستقابل المرآة في خلوتك. إن العبرة التي يخطها لنا القدر بمداد المواقف هي أن "الغاية لا تبرر الوسيلة" أبداً، بل إن الوسيلة هي التي تمنح الغاية شرعيتها وجمالها.

تذكر دائماً: أن تصل متعباً بضمير مستريح، خير ألف مرة من أن تصل محمولاً على أكتاف الخديعة. فالأهداف الصالحة تبني أصحابها قبل أن تبني الدنيا، والأهداف الطالحة تحرق أصحابها بنار النجاح الزائف قبل أن تنطفئ شعلتها.

فاسأل نفسك قبل البدء: هل يستحق هدفك حقاً كل ما سيكلفك إياه؟


error: المحتوي محمي